|
لبنان.. مقبرة جماعية للمدخنين
لـبـنان "جــنة" للمدخنين على الأرض، سماؤه فضاء رحب لـ"سم الدخان الأبيض"،
ومواطنوه إما زبائن محال التبغ أو مدخنون سلبيون من المغلوب على امرهم الذين لا
حول لهم ولا قوة في تغييرمسار الهواء المثقل بالنيكوتين والقطران، ناهيك عن
السموم التي تتسبب بها عوادم السيارات المكدسة في شوارع المدن والقرى اللبنانية.
اللبناني المدخن ينعم بحرية لا مثيل لها في التجول حاملاً سيجارته في الطرقات
والمطاعم والمقاهي من دون رقيب ولا حسيب، ويمكنه العمل وتــنــاول العشاﺀ
وتصفيف شعره ممارساً "هـوايـته" القاتلة بلا شرط ولا قيد.
أما غير المدخنين، فيواجهون صعوبات في إسماع صوتهم ورفضهم للتسمم الإجباري من
جراء التدخين السلبي، فمطالبتهم المدخنين بعدم التدخين تعتبر "تعدياً سافراً"
على الحرية الشخصية، وكأن حريتهم الشخصية وخيارهم عدم الموت بسبب تنشق دخان
غيرهم من "الأحرار" غير مشروع!
أرقام مقلقة
3500
شخص يموتون سنوياً من امراض مرتبطة بالتدخين، وبالاستناد الــى دراســة اجرتها
منظمة الصحة العالمية العام 2005 فإن 60 % مــن شــبــاب لبنان بين سن 13 و15
عاماً يدخنون السجائر أو النرجيلة، وهي اعلى نسبة في المنطقة. وأظهرت إحصاءات
المنظمة أخيراً أن لبنان يحتل المرتبة الرابعة في قائمة البلدان المستهلكة
لمنتجات التبغ الأميركية، على الرغم من أن عدد سكانه يقدر بنحو 3.3 مليون نسمة
فقط.
ويدخن أكثر من 60 في المئة من اللبنانيين قرابة 3300 سيجارة سنوياً للفرد.
تعود هذه الأرقام المرتفعة إلى أسباب عدة يأتي في مقدمها توافر السجائر بأسعار
مغرية تبدأ من 1000 ليرة للعلبة ذات العشرين سيجارة، وكذلك تغيب الرقابة
لبنانياً عن الإعلانات المخصصة لترويج السجائر، بحيث باتت تلك الإعلانات الأكثر
انتشاراً على لوحات الطرق السريعة، وكذلك الأمر بالنسبة الى وسائل الإعلام
المكتوبة والمرئية والمسموعة.
تعرض الإعلانات المصوّرة على شاشات التلفزيون لـ "قيم" كالحريّة ولـ "صفات"
كالسحر والأنوثة والرجولة ما يشجع المدخن على المضي قدماً في تجربته هذه،
وتحفّز غير المدخن على توسل هذه الصفات من خلال التدخين.
كما تشكّل النرجيلة اليوم واحداً من أسوأ التحدّيات بالنسبة إلى الناشطين في
مجال مكافحة التدخين، علماً أن الأهل يسهّلون وصولها إلى صغارهم الذين لم
يتخطّوا الثامنة أحياناً برغم أن ضررها يوازي ثلاث علب من السجائر العادية.
يمكننا القول ان الوضع في لبنان في ما خصّ التدخين والتشجيع عليه "مزرٍ"
بامتياز!
واعتبر التقرير الصادر عن وحدة الإيكونوميست الاقتصادية بعنوان "زبائن الغد
العاديون" الذي تناول معدلات استعمال التبغ في منطقة الشرق الأوسط وشمالي
أفريقيا، أن معدلات التدخين بين البالغين في منطقة الشرق الأوسط بقيت نسبياً من
دون أي تغيير في العقد الأخير، في حين أن نسب تدخين الشباب ارتفعت باطراد.
علاوة على ذلك، يسجل التقرير أن معدلات التدخين المرتفعة في لبنان تعود إلى
أسعار الدخان المتهاودة جداً، حيث يبلغ سعر علبة السجائر التي تحتوي على 20
سيجارة نصف دولار أميركي، مقارنة بـ5.15 دولارات في جنوب أفريقيا و5.32 دولارات
في المغرب.
كما يمكن رد معدلات التدخين المرتفعة في لبنان إلى كون التدخين "مسألة مألوفة"
بالنسبة إلى اللبنانيين، حيث ينعدم وجود الأماكن التي تحظر التدخين.
وزارة الصحة
يعود اليوم البرنامج الوطني في وزارة الصحّة العامة ليطلق حملة جديدة تحت
عنوان: "دخانك لو بيرضيك، بيقتل عيلتك ومحبّيك". والحملة تركز على التدخين
السلبي كما المباشر. وتجدر الإشارة إلى أن لبنان بعدما أبرم في العام 2005
"اتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ"
(FCTC)،
أصبح ملزماً بوضع قانون وطني يكافح التدخين، إلا أن ذلك لم يترجم عملياً حتى
الآن، والأسباب يطول شرحها.
رئيس لجنة الصحة النيابية الدكتور عاطف مجدلاني عزا في حديث إلى موقع
"المستقبل" الأسباب التي حالت دون إقرار مشروع قانون مكافحة التدخين، الى
الأوضاع السياسية والأمنية المتردية التي عصفت بلبنان منذ فبراير (شباط) 2005،
ويقول: "بعدما وافقت لجنة الصحة النيابية على بنود الاقتراح بالإجماع، أحيل على
لجنة الادارة والعدل كي تتخذ القرار المناسب بشأنه، ويتم العمل في ما بعد على
مراحل التطبيق، لكن وضع المجلس النيابي في تلك الفترة وعدم قدرته على اتخاذ
القرارات المناسبة حالا دون المضي قدماً في هذا المشروع".
واختصر مجدلاني اقتراح القانون الذي تقدم بفصول ثلاثة: الأول يعالج تنظيم وحظر
الإعلان عن المنتجات التبغيّة، الثاني يركز على التحذير من مضار التدخين، أما
الثالث فمخصص لحظر التدخين في الأماكن العامة.
وأشاد بإصرار المعنيين على إقرار القانون وملاحقته جدياً، مشيراً إلى انه
"اليوم وبعد أن تم تشكيل الحكومة وبدأ المجلس بممارسة نشاطاته مجدداً، ستتم
دراسة القانون ومناقشته"، آملاً من النائب روبير غانم رئيس لجنة الإدارة والعدل
وضع قانون منع التدخين في لبنان على جدول أعمال المجلس لإقراره.
وإذ توقع أن يقر القانون في مطلع العام 2010، اكد النائب مجدلاني ان هذا
القانون لا يتدخل بحرية الفرد طالما أن الأخير يمارس حقوقه وحده دون أن يؤذي
الآخرين، لكن حرية الفرد تقف عند حرية الآخرين فهذا القانون ليس ضد المدخنين بل
للدفاع عن غير المدخنين، "من يريد تسميم نفسه يصطفل، لكن لا حق له في أن يضر
غيره".
اعرف عدوك
التدخين، خبيثٌ الى حدّ أن تأثيراته على الصحة لا تظهر بسرعة، بل ينام الخطر
القاتل طويلاً في شعاب الرئتين الدقيقة الصغيرة، ويروح يقضم يوماً بعد يوم في
الرئتين حتى ينخرهما كالسوس القاتل، وعندها لا يعود ينفع أيّ دواء ولا علاج
مهما استدركه المريض. فالزمن لا يرجع الى الوراء والموت لا يرحم.
الانسداد الرئوي البطيء يصيب المدخنين تدريجياً ولا يشعرون بالانسداد التدريجي
بل يشعرون بأنهم في عافية كاملة ولا يضرهم التدخين، حتى إذا بدأ الانهيار، يروح
يسرع يوماً بعد يوم صوب الموت الآتي، ويصبح المصاب مصعوقاً بالسعال وضيق النفس
والعجز عن المشي ولو خطوات قليلة من دون الجلوس أو التوقف لأخذ نفس عميق لن
يعود عميقاً لأن الهواء لا يدخل الى كامل رئتيه إذ تكونان قد امتلأتا بقطران
قاتل يسد مجاري الهواء والتنفس في الرئتين، ولن يعود ينفع المريض استدراك ولا
استلحاق لأن الرئتين تكونان اهترأتا نهائياً حين تبدأ عوارض المرض بالظهور،
فتتقلص المجاري الهوائية تباعاً، وتؤدي إلى الموت بالاختناق وعدم القدرة على
التنفس، و"لات ساعة مندم"!.
لبنان "جنة" المدخنين على الأرض، لكن إن لم يتحرك المعنيون لإقرار القانون
ويتعاون المواطنون ويحترموا حق غيرهم بالهواء النظيف.. فلبنان في طريقه للتحول
إلى.. مقبرة جماعية للمدخنين.
لميس فرحات
المستقبل
|