التمديد لـ"الدوحة"
بشارة شربل
لا فرق جوهرياً بين أن يلتقي وليد جنبلاط مع ميشال عون صدفة في قطر أو أن يكون الراعي القطري لـ"اتفاق الدوحة" رتَّب المواعيد ليمتِّن أواصر العلاقات بين رجلين بات يضمهما صدر "الممانعة" المتعدد الأثداء.
على أي حال لم يعد اللقاء المقرر في 20 شباط بين الزعيم الدرزي العائد إلى الحضن الدمشقي وبين "الزعيم المشرقي" الآخذ البركة من رأس مارون في براد، نوعاً من المواعيد المنتظرة والحاملة للمفاجآت، باستثناء وَهْم الجنرال بأنه يلغي زيارة البطريرك التاريخية إلى المختارة ويعيد كتابة التاريخ في جبل لبنان، على غرار اعتقاده بأن انتقاله إلى حلب في 9 شباط نقل معه مشاعر الموارنة وعزل بكركي التي قادت "انتفاضة الإستقلال".
وبغض النظر عن "محاكاة التاريخ" المتوقعة في تصريحات الزعيمين أمام الكاميرات بعد اللقاء، واحد يضعه ضمن اتساع رقعة المقاومة الناهلة من تراث صلاح الدين قاهر الصليبيين، وآخر يضمِّخه بعطر المشرق المسيحي المتجلي في الجبل اللبناني، فإن ما صار يجمع عون وجنبلاط أيضاً هو عثورهما في تسوية "الدوحة" على بديل من الطائف، فيؤكد الأول صواب مناهضته للاتفاق من الأساس، ويبرر الثاني وقائع تحولاته السياسية التي فرضها عليه يوم "7 أيار".
ستشهد الأيام المقبلة بلا شك تعاوناً بين "التيار" و"الإشتراكي" يضبط وقائعه ويرعاه "حزب الله"، وإذ لا ندري بالضبط كيف تسري الكيمياء بين شخصي عون وجنبلاط منذ لقاء الرابية الأخير وصولاً إلى اجتماع قطر وعودتهما الليلية منها إلى بيروت، فإن ما يساعد على التفاهم بين الخصمين السابقين- اللذين تقاتلا بلحم الجيش والحزب آخر الثمانينات وقالا ببعضهما ما لم يقله مالك بالخمرة- هو شراكتهما في تقلب المزاج وقدرتهما الخارقة على نقل البندقية من كتف إلى كتف وتغيير اتجاه الأهداف.
يمكن بالتأكيد توقع تحالف عوني – جنبلاطي في انتخابات البلديات وصولاً الى تحالف سياسي واسع النطاق. فكلا الطرفين بات تحت جناحي دمشق و"حزب الله"، واحد اختارهما طوعاً واستناداً إلى قناعات بعدما بنى صورته على "حرب التحرير" والتنديد بسلاح الميليشيات، وآخر أرغم على العودة إلى "بيت الطاعة" بعدما ذاق مُرَّ الخصام والصدام. لكن ما يجدر الإلتفات إليه هو أن أدبيات جنبلاط وحزبه ما بعد انتخابات 7 حزيران لا تغفل "اتفاق الدوحة" في أي تصريح أو بيان، وهي باتت تلاقي طروحات "التيار" الشريك المعنوي في "اليوم المجيد" والمساهم الفعلي في الإنقلاب على نتائج الإنتخابات الذي أطاح بالديموقراطية البرلمانية وأخذ يكرس عرف "الدوحة" الممهور بقوة السلاح.
مفيد لقاء عون وجنبلاط لاستكمال المصالحات في الجبل وإعطاء المهجرين مزيداً من الإطمئنان، شرط أن يخرج الطرفان من لعبة العزل التي يحاولان فرضها على مسيحيي 14 آذار، ومن لعبة الإستدراج التي يحاول "الثنائي الشيعي" جذب السنة إليها للإجهاز على "ثورة الأرز" المصرة على التمسك بالمناصفة واتفاق الطائف ورفض استعادة زمن الوصاية والعودة إلى وراء. لكن سلوك عون وجنبلاط السياسي لا يوحي حتى الآن بإمكان الرهان الإيجابي على وضع طاقتهما في خدمة مشروع الدولة في لبنان، فالأول يحركه الانتقام لحلمه المجهض في الرئاسة ويجعله مستعداً للتحالف مع الشيطان على حساب ثوابت الكيان، والثاني يدفعه الشعور بالاستسلام والاحباط الى المبالغة في جلد الذات وصولاً الى التطوع لتشكيل رأس حربة ضد من كانوا حتى أمس القريب أخلص الحلفاء... كلاهما مفيد للتمديد لـ"الدوحة" ونهج الانقلاب.
19-2-2010
