.."إذا
كبرت ما بتصغر"!
على ما يبدو من مواقفه المعلنة ومن ممارساته، فإنّ
ثمّة رهانَين متوازيَين لدى "حزب الله".
الرهانُ الأوّل أنّ إسرائيل عاجزةٌ عن المبادرة إلى
شنّ حرب عليه، وعلى لبنان. والرهانُ الثاني أنّ
إسرائيل ستتلقّى هزيمةً عسكريّة ـ وسياسيّة تالياً ـ
إن هي غامرت بشنّ الحرب.
في رهانه الأوّل، ينطلقُ "حزب الله" مِن تقدير لعدد من
العوامل السياسيّة التي يعتبرها وازنة.
لا شكّ أنّ "حزب الله" يعتقد أنّ ثمّة ضعفاً
إستثنائيًّا على صعيد "المستوى السياسيّ" الحاكم في
إسرائيل، يعكسُ تفكّكاً في "المؤسسة" الإسرائيليّة
يجعلها أعجز من أن تكون قادرة على إتخاذ قرار بالحرب.
وبالإضافة إلى ما يعتبرُه ضعفاً إستثنائياً في
إسرائيل، فإنّ "حزب الله" يبني رهانه هذا في جانب منه
على الأزمة الراهنة في العلاقات الإسرائيليّة ـ
الأميركيّة. أي إنّ "حزب الله" الذي يقوم خطابُه
الايديولوجيّ ـ السياسيّ على إعتبار الولايات المتحّدة
وإسرائيل "وجهين لعملة واحدة"، وعلى إعتبار أنّ
الخلافات التي تنشب بينهما مجرّد "تمثيليّات"، يؤكّد
في الوقت نفسه ليسَ حقيقية أنّ الحرب لا تكون إلاّ
بقرار أميركيّ أوّلاً، بل أنّ الولايات المتحدة ليست
قوّة حرب "دائماً" ما يجعل منعها إسرائيل عن الحرب
ممكناً.. إلاّ إذا كان "حزب الله" مقتنعاً بما يقوله
في خطابه الموجّه إلى "الجماهير"، بأنّ واشنطن وتل
أبيب ضعيفتان كما لم تكونا مرّة في التاريخ، وبأنّ
الإنتصار عليهما وشيك جدّاً!.
على أنّ العامل الأهمّ الذي يبدو "حزب الله" مراهناً
عليه، هو قناعتُه بأنّ أيّ حرب عليه ستتحوّل بسرعة إلى
حرب إقليميّة شاملة، على قاعدة أنّ "مثلث" طهران ـ
دمشق ـ "حزب الله" يلتزم إستراتيجيّة تقوم على إعتبار
أيّ حرب على أيّ من "ضلوعه" الثلاثة حرباً على ضلوعه
كافّة. أي أن أيّ حرب على "حزب الله" ستكون حرباً على
سوريّا وإيران في الوقت نفسه، وانّ إيران وسوريّا
ستدخلان الحرب توازياً مع الحرب على "حزب الله"، بل
إنّ أيّ حرب على إيران ستقود إلى دخول "حزب الله"
وسوريّا فيها بجانب إيران.
في التقدير السياسيّ لـ"حزب الله" إذا، إنّ الحرب
بـ"مبادرة" إسرائيليّة تصطدم بالعوامل السياسيّة
الثلاثة الرئيسيّة التي تمّ إستعراضها آنفاً. وفي
تقديره السياسيّ، إنّ "التكافل" الثلاثي الإيرانيّ ـ
السوريّ الحزب اللهي هو الأساس الذي سيجعل إسرائيل
الضعيفة إستثنائياً برأيه، تخاف وتحسب.
ومن نافل القول إنّ الرهان على هزيمة إسرائيل فيما لو
تجرّأت، بالرغم من العوامل السياسيّة الكابحة برأيه،
ينهضُ على إعتقاد من جانب "حزب الله" أنّ ما بات
يمتلكه من ترسانة عسكريّة، رادعٌ لإسرائيل في حدّ
ذاته، وأنّ قدرة تلك الترسانة على جعل الداخل
الإسرائيلي مسرحاً حربياً، تؤسّس لهزيمة إسرائيل.
الآن، وبعدَ هذه المقدّمات جميعاً، فإنّ السؤال يطرح
نفسه: ما هي الإستنتاجات؟.
كثيرون من اللبنانيين العارفين برهانات الحزب
وبالعوامل الرئيسيّة التي تسند تلك الرهانات،
سيستنتجون محقّين أنّ "حزب الله" يجاهر بانتمائه إلى
محور إقليميّ، بل يجاهر بأنّ إستراتيجيّته جزء من
إستراتيجيّة "مثلّثة" إقليمياً. بيَد أنّ هذا
الإستنتاج ـ وحده ـ لا يختصر ما يمكن قوله في هذا
المجال.
أمّا الإستنتاج الأكثر أهميّة فهو أنّ تقديرات "حزب
الله" السياسيّة تعوزُها "الدقّة".
فالرهانُ على الضعف الذاتي الإستثنائيّ لإسرائيل،
فضلاً عن أنّه لا يمكن أن يكون رهاناً "مطلقاً"،
يتجاهلُ واقع أنّ عماد المؤسّسة الإسرائيليّة الحاكمة
هو جناحها العسكريّ وأنّ هذا الجناح ليسَ ضعيفاً كما
يصوّر، وأنّ إتخاذ القرار في إسرائيل ليس بهذا
"التبسيط". والرهان على ضعف إسرائيل بسبب الأزمة
الراهنة في العلاقات الإسرائيليّة ـ الأميركيّة،
يتجاهل حقيقة أنّ الخلاف الأميركيّ ـ الإسرائيليّ
فعليّ لكنّه يتعلّق بأمور يبدو أنّ "حزب الله" لا
ينتبه اليها جيّداً: الخلاف هو على موقع إسرائيل في
السياسة الأميركيّة إقليمياً، أي حولَ ضرورة إنضباط
إسرائيل بأولويّات أميركا ومصالحها وحسابها لضرورات
"أمنها القوميّ"، والخلاف على كيفيّة وإتجاهات إدارة
الصراع مع إيران بشأن ملفّها النوويّ، والخلافُ على
السلام لمواجهة إيران بـ"تشليحها" ورقة الوصل بالصراع
العربيّ ـ الإسرائيليّ. لكن أحداً لا يشكّ في أنّ
الولايات المتحدّة التي "قد" تردع إقدام إسرائيل على
الحرب، لن تتردّد في دعمها في حال تعرّضت لمهاجمة.
أمّا الرهان على "شراكة ثلاثيّة" في الحرب ـ دفاعاً أو
هجوماً ـ فيتجاهل "المنهجيّة" السوريّة التقليديّة أو
"الأسلوب" السوريّ التقليديّ. فليسَ كلّ ما تعلنه
سوريّا أو تعمله عشيّة منعطف معيّن، يبقى ثابتاً عند
"حصول" المنعطف. أي أنّ سوريّا تحسبُ الحساب جيداً لما
بعد المنعطف، وتحسبُ الموازين وتتحسّب منها، وتعيرُ
إهتماماً بنواحٍ لا يُعيرها "حزب الله" إهتمامه،
وأهمّها العلاقة بالولايات المتحّدة.. فسوريّا قبل
نشوب الحرب تختلف عن سوريّا عند نشوبها.
وعليه، فإنّ الإستنتاج هو أنّ في رهانات "حزب الله"
قدراً من "الإرادويّة"، قدراً من إرادة أن تكون الأمور
كما يتصوّرها هو. وفي هذا الإطار، لا تخفى النيّة
الإيرانيّة ـ الحزب اللهّية المشتركة في دفع سوريّا في
منحى حربيّ، بل في "توريط" سوريّا في مواجهة عسكريّة
ما على ما يبدو.
على أيّ حال، لو كان تقديرُ "حزب الله" يتعلّق فقط
بالعوامل التي ينبغي البناء عليها وإستثمارها لمنع حرب
إسرائيليّة، لـ"سهُل" النقاش والحوار أكثر. لكنّ ما
يخشاه المرء ـ في لبنان تحديداً ـ أن تكون العوامل
التي يسوقها الحزب لإستبعاد مبادرة إسرائيليّة إلى
الحرب، هي نفسُها العوامل التي قد يبني عليها هو
لإستدراج حرب. فعندئذً لا يعود الأمر مجرّد إفتقاد إلى
"دقّة" في التقدير، بل يغدو حساباً مغلوطاً.
..
في بعض جوانب تقدير "حزب الله" ـ أي التقدير "الظاهر"
ـ يبدو أنّه يعتمدُ قاعدة "إذا ما كبرت ما بتصغر"!.
غير أنّ هذه القاعدة الصحيحة في بعض الأحيان وبعض
المعارك، ليست صحيحة في المطلق، ويمكنها أن تُخلي
مكانها لقاعدة أخرى هي "إذا كبرت ما بتصغر"!. ثمّ انّ
"إذا ما كبرت ما بتصغر" مفيدة في حال "الدفاع" وليس في
حال "الهجوم".
وثمّة طريقٌ أقصر لحماية لبنان: تجنّب الحرب من الأساس!.
نصير الأسعد
17-4-2010